الأربعاء، 29 أكتوبر 2014

تحريم الغلو في محبة آل محمد ..

من المؤكد أن الغلو محرم قطعا قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}.[المائدة: 77].لأنه سبب للهلاك فإنه قد يؤول إلى الشرك، فغلو قوم نوح في الصالحين آل بهم إلى الشرك,لذلك حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته منه،فقال:"إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو[1].فيتَحَقَّق الغلو بِإِطْلَاق مَا لَا يحل إِطْلَاقه فِي المحبوب المغلو فِي حبه أَو فعل مَا لَا يحل فعله ,فقد حصل غلو في أهل البيت من قبل الشيعة بسبب الحب المفرط وحصل الغلو في أهل البيت من قبل النواصب بسبب البغض والتفريط فالغلو نزغة من نزغات الشَّيْطَان يُؤَدِّي إِلَى الْخُرُوج عَن الْحق.
فمن الأمثلة التي تدل على غلو الشعة في الآل ما يلي:
يقول الإمام الوادعي رحمه الله تعالى:"أما كفانا أن أحمد بن سليمان من أئمة الزيدية له كتابان بعنوان "الحكمة الدرية" والثاني "حقائق المعرفة"، فيهما السب الصراح لأبي بكر وعمر، حتى نستورد من كتب أهل إيران، ولكن هذه الكتب التي تستورد من كتب أهل إيران تعتبر دعوة لأهل السنة لأن فيها الكفر والشرك، ففيها: أن الشمس قالت لعلي بن أبي طالب: السلام عليك يا أول ياآخر يا ظاهر يا باطن يا من هو بكل شيء عليم.
وفيها أيضًا أن علي بن طالب قال وحاشا عليًا أن يقول : أما تعلم أنني أعلم السر وأخفى، وأنني أعلم ما في الأرحام. وإذا أردت أن تحصل على الكتاب الذي فيه هذا الكلام، فكلم شخصًا حالق لحية، مغبّر يديه كأنه يشتغل في الأسمنت، فإنّهم لن يعطوك إذا كنت ذا لحية، ثم يذهب إلى المكتبات في صعدة ويقول لهم: أريد كتاب "عيون المعجزات"، وكذلك كتاب "سلوني قبل أن تفقدوني"، وهو كتاب في مجلدين، وهذا الكتاب الضال فيه وهو يصف علي بن أبي طالب :
أهلك عادًا وثمود بدواهيه *** كلّم موسى فوق طور إذ يناجيه
وفيه أن رجلين اختصما: هل علي أفضل أم أبوبكر؟ ورضيا بأول داخل يدخل من الباب أنه الحكم، فدخل داخل وقالا له: إننا قد اختصمنا أيهما أفضل أبوبكر أم علي؟ فقال: علي أفضل لأنه خلق أبا بكر!.
والكتاب يباع، تبيعه في صنعاء (مكتبة اليمن الكبرى)، عجل الله بإحراقها، فإنّها تريد أن تزعزع عقيدة اليمنيين [2].اهـ.
قال يحيى بن سعيد ،: كنت عند علي بن حسين فجاءه نفر من الكوفيين فقال علي بن الحسين : يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام ، سمعت أبي يقول : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم : « يا أيها الناس ، لا ترفعوني فوق قدري ، فإن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا » فذكرته لسعيد بن المسيب فقال:«وبعد ما اتخذه نبيا[3]»اهــ.
ومن الأمثلة التي تدل على غلو النواصب في الآل ما يلي:
أولا :طريقة النواصب والخوارج في الماضي والحاضر عموما أنهم يؤذون أهل البيت بأقوالهم وأعمالهم.
ففي الماضي قد حصل جفاء وسب واعتداء على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذريته وغيرهم من الهاشميين بسبب البغض المفرط وهذا أمر غير خاف فلا داعي لذكر التفاصيل خشية الإطالة.
أما في الحاضر فقد أبت بعض النفوس الشريرة إلا أن تسيء إلى آل بيت النبوة بشتى الأساليب المهينة التي لا تليق أن تقال لأي من البشر احتراما للنفس البشرية فما بالك أن تقال لمسلم قد حرم دمه وعرضه وماله فضلا عن أن يتصل نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأمر الذي يدل على أن الحقد والكراهية في أهل النصب الخفي في زمننا هذا قد بلغا ذروتهما وهؤلاء سيكون خصمهم يوم القيامة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم قد فرضوا على أنفسهم وعلى غيرهم الاستمرار في السير على هذا المنهج المعوج الخطير المعادي لأهل بيت النبوة.
وقد انحرف مع هؤلاء بعض الفجرة الذين كانوا لا يسطيعون إظهار ما في نفوسهم من عداوة لأهل البيت من قبل حتى جاء من ينعشهم في الصحف والمجلات وغيرها.لماذا هذا الهجوم الهمجي الشرس والحملات المتتاليات المسعورات الذي قد يكون من ورائه مكاسب مادية أو سياسية؟ لأن كثيرا من المنتسبين لأهل بيت النبوة يتمتعون بصفات فاضلة نادرة إلى جانب النسب والخلق والدين القويم.
وقد جاء عن قتادة رحمه الله تعالى أنه قال:"ما كثرت النعمة على قوم قط إلا كثر أعداؤها [4]".
وأسباب الترويج للباطل كثيرة ووسائل القبول له أكثر وقد تفنن أصحاب النصب في هذا العصر وبذلوا جهودا صبيانية لتضليل الناس في الصحف والمجلات وفي الكتب والرسائل وغير ذلك ,من أجل التشويه والسخرية بأهل البيت والمراد من ذلك كله هو إبطال ما لهم من الحقوق والواجبات والخصائص التي ميزهم الله بها ظنا منهم بأنه إذا طُعِن في أنساب أبناء الحسنين سلبت منهم الصفات والفضائل التي يحسدهم أعداؤهم عليها,وبالتالي يحكم عليهم جميعا بأنهم أحقر الناس قدرا وأقلهم شأنا لادعائهم النسب الشريف زورا وبهتانا وهذا هو مراد أصحاب النصب الخفي في زمننا هذا,وأتباعهم من غلاة ومقلدة .
فإنهم يريدون بهذا المذهب الهدام أن يضلوا الناس بهذا الجرح في أهل بيت النبوة ليبطلوا ما خصهم الله به ويقدحوا في فضائلهم التي جاءت في الكتاب وصحيح السنة لينـزلونهم من مكانتهم الرفيعة التي رفعهم الله إليها ويسقطون هيبتهم بسبب طعنهم في أنسابهم وتشكيكهم في صحتها,فإنهم يعلمون علم اليقين بأنهم لو أنكروا شرف النسب النبوي بالكلية أو أنكروا حقوق أهل البيت أو فضائلهم لن يقبل منهم أحد ذلك,ولهذا لجؤوا إلى الطعن والتشكيك في النسب الشريف بدون دليل ولا برهان,وهذا هو رأي الرافضة الذين طعنوا في خير خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين, فقد كان مراد الرافضة من طعنهم في الصحابة الكرام هو الطعن في الإسلام ,لذلك خطؤوا الصحابة واستنقصوهم ليبطلوا عدالتهم,فيبطل بذلك ما لهم من فضل ومنزلة عند الناس.
فإنهم كما قال أبو زرعة الرازي (264هـ) رحمه الله تعالى:"إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة [5]"اهـ.
فإذا علمت أن رجلا يتنقص أهل البيت ويجعل الطعن فيهم ديدنه فتأكد أنه ناصبي مهما تستر بالدين واختلق المبررات.
ومهما تكن كثرة الزيف والأباطيل والضجيج ضد الصحابة والقرابة فإن العبرة بمعرفة حال أصحاب الأقاويل ومقاصدهم فإذا عرف السامع أو القارئ حال ومقصد من يروج للباطل ليجعله في صورة مقبولة باسم الذب عن أهل البيت أو باسم السنة والنصيحة أو باسم الدفاع عن الحق عند إذ لن يتأثرا بما يروجه المبطل وإن دس السم في العسل فإنهما سيكونا على حذر منه بعد معرفة حقيقته ومقصده ومكره.
فأعداء الإسلام اليوم يدعون أنهم حماة الإنسانية وهم في الحقيقة يسحقون دولا ويبيدون شعوبا ويذلون ويمزقون أمما باسم الدفاع عن حقوق الإنسان وغير ذلك من المسميات الخداعة.
ولهذا نقول للرافضي والناصبي كما قال بعض السلف:"الصحابة والقرابة كالعيون,علاجها ودواؤها ألا تمس,هل سمعت أن العين إذا تضررت تمسها وتحكها؟هذه العين اليمنى هم القرابة ,وهذه اليسرى هم الصحابة.[6]اهـ .


[1] - رواه: أحمد في مسنده(1/215, 347) , والنسائي في "الصغرى"5/268)وابن ماجه2/1008)وابن أبي عاصم في "السنة"(98) , وابن حبان(1011) , والطبراني في "الكبير"(12747)والحاكم (1/466)وصححه,ووافقه الذهبي, والبيهقي في "االكبرى" (5/127) . وقال النووي في "المجموع" (8/137) : "إسناده صحيح على شرط مسلم", وكذا قال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص 106) .


[2] - تحفة المجيب فضائل آل بيت النبوة .

[3] - رواه الحاكم. و قال : " صحيح الإسناد " . و وافقه الذهبي وهو في " السلسلة الصحيحة " 6 / 106

[4] - رواه أحمد في العلل ومعرفة الرجال(116)و(1160).

[5] - رواه الخطيب البغدادي في الكفاية (ص 97)وانظر الإصابة لابن حجر 1/11 وابن عساكر في تاريخه (38/32) .

[6] - مودة أهل البيت عند أهل السنة ص 46. مودة أهل البيت عند أهل السنة ص 46.

الجمعة، 10 أكتوبر 2014

معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للناس على حسب أحوالهم


كان الرسول عليه الصلاة والسلام -كما في هذا الحديث- يحدث أصحابه، فجاءه أعرابي وهو يتكلم فقال: ( يا رسول الله! متى الساعة؟ ) فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض الصحابة: سمع ما قال؛ فكره ما قال.
وقال بعضهم: بل لم يسمع )، فلماذا انقسم الصحابة إلى فريقين؟ كل راعى شيئاً لحظه في النبي صلى الله عليه وسلم، فالذين قالوا: سمع ما قال فكره ما قال، كانوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كره شيئاً أعرض عنه، وظهر على وجهه، فإنه عندما جاءه عبد الله بن عمرو وهو يلبس حلة حمراء فأعرض عنه لقد كانت كل حياة الصحابة واهتمامهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، وكانت عيونهم (الكاميرا المسجلة) كل شيء يرمقونه حتى اضطراب لحيته، يقول الصحابي ( كنا نعرف قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الظهر باضطراب لحيته ) ويقول مثلاً أبو حميد الساعدي ( قلت: لأرمقن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم سائر اليوم )، ويقول صحابي آخر: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم والقمر في ليلة إضحيان -ليلة أربعة عشر- فجعلت أنظر إلى القمر مرة وإلى وجهه مرة، فكان في عيني أحلى من القمر ) وهذا كلام شخص محب، ويقول جابر بن سمرة ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة قمراء وعليه حلة حمراء، ما رأيت قط أجمل منها )، ويقول أنس بن مالك : ( ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول صلى الله عليه وسلم ) .
المهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان كل حياتهم، وكان محور ارتكاز عندهم.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا كره شيئاً ظهر على وجهه، وأعرض إعراضاً لطيفاً، فالصحابة الذين قالوا هذا، رأوا أنه كثيراً ما كان يعرض عن بعض أصحابه إذا ارتكب شيئاً، فلا يحتاج إلى كلام.
والذين قالوا: بل لم يسمع؛ بنوا ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يواجه أحداً بما يكره أبداً.
جاء في صحيح مسلم: ( كان في المدينة بنت مصابة بمرض التخلف، وكانت تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتطوف به المدينة فلا يمتنع منها، ولا ينزع يده منها )، هذه أشياء لها دلالة، وإن كان بعض الناس قد يعتبرها مواقف صغيرة لكن لها دلالة ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها )، وكان رفيقاً، كثير احتمال الأذى، لاسيما مع الأعراب، فما كان يعرض عن الأعرابي، حتى ولو قال قولاً جاهلياً، إنما كان يعرض عن أصحابه الذين يعيشون معه في المدينة ، وهكذا ينبغي على الشيخ أن يفرق في معاملته بين أهل البلد وبين الغرباء، فيعطي الغرباء من حقه ومن وقته؛ لأنهم غرباء، ولأن هذا الغريب لا يعلم ما قد ينبه عليه الشيخ أكثر من مرة، لكن يعلمه أهل البلد.
جاء في الصحيح أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن، وكان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من البادية فيسأل ونحن نسمع )، فلو أن شخصاً من أهل المدينة سأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً بعد النهي؛ لكان له أن يعزره، أما هذا الأعرابي فلم يشهد النهي، فقد جاء من بعيد، وسأل النبي عليه الصلاة والسلام؛ فما كان يعنفه، إنما كان يتلطف معه، وهذا هو مستند الذين قالوا: بل لم يسمع؛ لأنه كان يعامل الأعراب معاملة خاصة غير معاملة أهل الحضر.
وفي الحقيقة هناك أدلة تبين هذا، أذكر بعضاً منها: في سنن أبي داود و النسائي من حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قعوداً لرجل من الأعراب -والقعود: جمل صغير السن- فقال: بعني جملك.
قال: بكم؟ فقال: بكذا.
فقال: إذاً.
اشتريت منك الجمل، وسأعطيك الثمن عندما نرجع إلى المدينة.
وجاء صحابي من الصحابة لم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام اشترى الجمل، فأعجبه الجمل، فقال للأعرابي: أتبيع الجمل؟ قال: بكم؟ قال: بكذا.
وذكر ثمناً أعلى من ثمن النبي عليه الصلاة والسلام، فعلم النبي عليه الصلاة والسلام أن الأعرابي باع الجمل، فقال: يا أعرابي! أولم تبعني الجمل؟ فقال: ما بعتك شيئاً.
قال: كلا يا أعرابي! بل بعتني.
قال الأعرابي: هلم شهيداً يشهد أنني بعتك.
والصحابة يلوذون برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون للأعرابي: ويحك! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقاً.
وهو يقول: هلم شهيداً يشهد أنني بعتك.
وحينئذٍ انبرى خزيمة بن ثابت الأنصاري وقال: أنا أشهد أنك بعته الجمل.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بم يا خزيمة ؟ قال: بتصديقك ) ، أي: أنك لا تكذب، ولو لم أكن حاضراً لهذه الصفقة وهذا البيع فأنت قد اشتريت الجمل، والأعرابي قد باعك الجمل، (بتصديقك)، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين؛ لأجل هذا الأمر، وهذا من خصوصيات خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه.
والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكفر هذا الأعرابي، ولم يقل له: كذبت رسولك فكفرت، فاغتسل إذاً، وجدد الإسلام، وانطق بالشهادتين؛ لأنه راعى هذه المسألة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام كثير الاحتمال.
وهذا أعرابي يقول: ( يا رسول الله! ثيابنا في الجنة ننسجها بأيدينا أم تتفتق عنها ثمار الجنة؟ فضحك الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام: أتضحكون من جاهل يسأل عالماً؟ )، لماذا تضحكون؟ الرجل يسأل: ماذا سوف نلبس في الجنة؟ هل سنخيط ملابسنا، أم سنجد الملابس جاهزة؟ وهذا يدل على أن الصحابة كثيراً ما كانوا يسألون عن الجنة وما فيها، وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( استأذن رجل ربه في الزرع -أي: أن يزرع في الجنة- فقال الله عز وجل: دونك يا ابن آدم! فإنه لا يشبعك شيء.
فرمى البذرة وفي طرفة عين رأى الثمرة والشجرة الكبيرة، فقال الرجل: والله يا رسول الله! لا تجده إلا أنصارياً )؛ لأن الأنصار هم الذين يحبون أن يزرعوا.
إن الجنة لا أحد يعرفها، وهي منتهى الآمال، وكلنا نعمل لكي ندخل الجنة، وأعظم نعيم في الجنة هو رؤية الله عز وجل، ونحن عندما نطلب من الله عز وجل الجنة إنما نطلب أن نرى رب العالمين تبارك وتعالى هناك، فكان الصحابة يسألون عن الجنة، فسأل هذا الرجل عن ملابسه: كيف سنلبس؟ وكيف سنخيطها؟! فضحك الصحابة من هذا السؤال، فقال صلى الله عليه وسلم: ( مم تضحكون؟! من جاهل يسأل عالماً، نعم يا أعرابي، تتفتق عنها ثمار الجنة )، تفتح الثمرة فتجد جلابية جاهزة وعلى مقاسك، والجنة -كما يقول بعض العلماء، وقد استندوا إلى آثار صحيحة موقوفة لها حكم الرفع- لا يسأل الإنسان فيها، وإنما بمجرد أن يتمنى يجد حاجته ماثلة إمامه؛ لأن السؤال ذل، وأهل الجنة معافون من هذا كله، إنما إذا خطر على باله أنه يأكل رماناً فإنه يجد الرمان أمامه يخطر على باله أنه يأكل فاكهة، أو حماماً، أو أي شيء من لحوم الجنة وفواكهها، فإنه يجد ذلك الشيء أمامه في الحال.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان كثير الرفق بهؤلاء الأعراب، وكان الصحابة يعلمون ذلك، فقالوا: بل لم يسمع لماذا؟ راعوا حال النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا ينبغي مراعاة قرائن الأحوال، فإن الصحابة حكموا بما علموه من النبي عليه الصلاة والسلام، ومسألة اعتبار القرائن في الحكم مسألة ضرورية جداً، فإن الصحابة في حكمهم لما انقسموا إلى فريقين كلٌ راعى القرينة التي حضرته، ورآها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2014

لاتخدعكم المظاهر فأغلبها كاذب




ذهب زوجان معًا إلى حديقة الحيوان، فوجدا القرد يلعب مع زوجته، فقالت له: يا لها من قصة حب رائعة!

وعندما ذهبا إلى قفص الأسود وجدا الأسد يجلس صامتًا بينما زوجته تبعد عنه قليلاً، فقالت له: يا لها من قصة حب مأساوية!


فقال لها: ألقي هذه الزجاجة الفارغة تجاه زوجته وشاهدي ماذا سيفعل!
وعندما ألقتها هاج الأسد وصاح من أجل الدفاع عن زوجته!
وعندما ألقتها على قفص القرود ترك القرد زوجته هاربًا حتى لا تصيبه الزجاجة!

فقال لها: لا تنخدعي بما يُظهره الناس أمامك، فهناك من يخدعون الناس بمشاعرهم المزيفة، وهناك من يحتفظون بمشاعرهم داخل قلوب بالحب مغلفة.

ما أكثر القرود وما أقل الأسود!

أدب الجملة لدى مصطفى صادق الرافعي



1 ـ أربعة آلاف كلمة في الثرثرة أقل من أربع كلمات في الحكمة .
2 ـ يموت الحي شيئاً فشيئاً و حين لا يبقى منه ما يموت يقال مات.
3 ـ قضت الحياة أن يكون النصر لمن يحتملُ الضربات لا لمن يضربها .
4 ـ تكون الأماني مرة كسب افكارنا و مرة لصوصية أفكارنا .
5 ـ المودة القوية تتحمل العتاب و المحاسبة لتثبت أنها قوية .
6 ـ أضيع الأمم أمةٌ يختلف أبناؤها فكيف بمن يختلفون حتى في كيف يختلفون .
7 ـ كما يضرُّ أهلُ الشر غيرهم إذا عملوا الشرِّ يضرُّ أهل الخير غيرهم إذا لم يعملوا ذلك الخير.
8 ـ في الأمم المنحطة تجد نفاق الكبار للكبار هو الذي أضاع الكبار و الصغار .
9 ـ الرذيلة الصريحة رذيلةٌ واحدة و لكن الفضيلة الكاذبة رذيلتان .
10ـ إذا رأيت قوماً عمّهم الكذب في باب ما يفتخرُ به فاجعل هذا وحده في تاريخهم باب ما سقطوا به .
11- كما يضرّ أهل الشر غيرهم إذا علموا الشر ، يضره أهل الخير غيرهم إذا علموا ذلك الخير.
12- الفرق بين كاتب متعفف وبين كاتب متعهر ، أن الأول مثقل بواجب، والآخر مثقل به ذلك الواجب.
13- رب قانون تحكم به أمة، ولو أنهم حاكموه لاعتبروه كالشروع في قتل أمة.
14- إذا كان القاضي صاحب دين وذكاء وفهم وضمير، فكثيراً ما يرى نفسه محكوماً عليه قبل أن يحكم على الناس.
15- أضيع الأمم أمة يختلف أبناؤها ، فكيف بمن يختلف حتى في كيف يختلفون.
16- أصبحت الأخلاق الشرقية في هذه المدينة الفاسدة كمرقعة الفقير المعدم، حيث تجد رقعة لا بد أن تجد فتقاً.
17- فلسفتي أن الكبرياء على المتكبرين هو أعلى من التواضع.
18- في بعض أحوال الحب تكون العواطف المحبة لك في الباطن هي المعادية لك في الظاهر.
19- من خلق بطلاً فلا عجب أن توجد له الأقدار دائماً من كل ما حوله مادة حرب.
20-مائة من مائة في التوكل على الله تكون مائة من مائة في النجاح، ولكن تسعة وتسعين من المائة في التوكل لا تكون إلا خيبة محققة.


 علي حاتم الشعيبي

الاثنين، 6 أكتوبر 2014

الوفاء بالعهد في القرآن

الوفاء من القيم الإنسانية العظيمة التي يجب أن يتصف بها المسلم وحث عليها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في أكثر من موضع، ومن يتدبر آيات القرآن الكريم يجد أن الله سبحانه قد جعل الوفاء قواماً لصلاح أمور الناس، يقول تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}. 
وبين القرآن الكريم أن الوفاء بالوعد من كمال الأخلاق، وأثنى الله على رُسله وأنبيائه بالوفاء، يقول تعالى في سيدنا إبراهيم عليه السلام {أمْ لَمْ يُنَبَّأ بِمَا فِيْ صُحُفِ مُوْسىٰ* وَإبْرَاهِيْمَ الَّذِيْ وَفَّىٰ}، ومدح به سيدنا إسماعيل عليه السلام؛ بل لقد قدمه على النبوة والرسالة في الذكر {وَاذْكُرْ فِيْ الْكِتَابِ إسْمَاعِيْلَ إنَّه كَاْنَ صَاْدِقَ الْوَعْدِ وَكَاْنَ رَسُوْلاً نَبِيًّا}. 
وقد أمر الله-عز وجل- بالوفاء بالعهد أمرًا صريحًا في عدد من آيات القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْد اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، وقوله: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}. 
وقال إن الموفين بعهودهم هم الذين استجابوا لربهم، ووعدهم الحسنى، ووصفهم بأنهم أولى الألباب، كما وعدهم الثواب والأجر العظيم، يقول تعالى: ومن أوفَى بمَا عاهدَ علَيْهُ اللهَ فسيؤتيهِ أجرًا عظيمًا "، ووعدهم بالحب من الله سبحانه فقال: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}. 
كما شدد الله عز وجل في القرآن الكريم على أن نقض العهد وعدم والوفات ليس من صفات المؤمنين فقال سبحانه: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}. 
ولذلك كان جزاء الذين ينقضون العهد أنهم ملعونون في كتاب الله موعودون بسوء العاقبة، يقول عز وجل: {َالَّدينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}. 
وقد جعل الله سبحانه وتعالى الوفاء من الصفات التي تؤهل صاحبها إلى الفوز بجنات الفردوس والخلود في النعيم المقيم، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

احذر اضافة اللبن الى الشاي تعالوا نعرف الاسباب

أكدت دراسات طبية سابقة مدى أهمية اللبن بجميع مشتقاته في الحفاظ على صحة الإنسان ووقايته من أمراض عديدة أهمها السرطان، في الوقت ذاته لم تتجاهل الأبحاث مزايا الشاى العلاجية في القضاء على الزهايمر وأمراض القلب، ولكن هل تسائل البعض إذا امتزج الشاى مع اللبن ماذا يحدث، وهل يستطيع الإنسان بذلك أن يحصل على المزايا العلاجية للنوعين على حد سواء أم أن هناك نوع يبطل مزايا الآخر؟!! 


وهذا ما كشفت عنه دراسة ألمانية، مؤكدة أن إضافة الحليب إلى الشاي يمكن أن تقلل من مميزات الشاي وتأثيره الواقي على أمراض القلب‏. 
‏ 
وأوضح الباحثون أن شرب الشاي يساعد حركة الشرايين بالتوسع والإرتخاء‏,‏ مما يسمح بإبقاء ضغط الدم جيداً‏,‏ وأن البروتينات التي يحتوي عليها الحليب والتي تدعي بـالكازينات لها تأثير معاكس لتأثير الشاي‏. 
‏ 
وأكدت الدكتورة ماريو لورينز الباحثة في علم الأحياء والمشاركة في الدراسة‏, أن احتساء الشاي يزيد بشكل واضح من قدرة الشرايين على الارتخاء والتمدد لاستيعاب تدفق أكبر للدم مقارنة بشرب المياه‏,‏ لكن إضافة اللبن يمنع تماماً هذا التأثير البيولوجي‏. 


وأظهرت نتائج الدراسة أن جزيئات في الشاي تدعي "كاتيشينز"‏ تساعد بتوسيع الشرايين بتوليدها مادة كيماوية تدعي "أوكسيد النيتريك",‏ ولكن جزئيات الكازينات في الحليب تمنع "الكاتيشينز" من افتعال توليد أوكسيد النيتريك‏.‏ 


وأكد الدكتور روبرت فوجيل بجامعة ميريلاند‏، أن هذه الدراسة ترشد المرضى إلى ما يجب أن يفعلوه وهو عدم إضافة الحليب إلى الشاي‏,‏ طبقاً لما ورد بجريدة "الأهرام". 


ويعتبر الشاي من أهم مضادات الأكسدة‏,‏ ويظهر بوضوح في البلدان التي تكثر من شرب الشاي قلة نسب الإصابة بأمراض القلب‏.‏ ونصح الأطباء بإضافة الليمون بدلاً من الحليب أو الكريمة إلى الشاي‏. 


وقد أضافت دراسة بريطانية أن الدول مثل بريطانيا التى يستهلك فيها الشاى بصورة منتظمة مخلوطاً بالحليب لم يظهر بها تراجع فى مخاطر الإصابة بأمراض القلب والجلطات نتيجة لاحتساء الشاى. 


وقام بعض الخبراء والمتخصصين بعمل دراسة لبحث الفوائد الصحية لإضافة اللبن للشاي، ووجدوا أن اللبن قد يتفاعل مع بعض مضادات الأكسدة الموجودة في الشاي مما يعوق قدرة الشاى على محاربة الشوارد الحرة التي تدمر خلايا جسدك. 


وأكد الخبراء أن إضافة اللبن إلي الشاي الأسود تمنع استفادة الجسم من هذا الأخير، والذي يعمل على حماية الجسم من أمراض القلب، كما يمكن أن يحسن قدرة الشرايين علي التمدد والاسترخاء، وبالتالي يمكن الحفاظ علي مستوي صحي لضغط الدم. 

محمد الفاتح صاحب البشارة النبوية

منذ عهد معاوية بن أبى سفيان قام الكثير بمحاولات فتح القسطينية ليكون صاحب البشارة النبوية التي بشر بها النبي – صلى الله عليه وسلم- بقوله :” لتفتحن القسطنطينية ، فلنعم الأمير أميرها ، ولنعم الجيش ذلك الجيش” ، فمن هو صاحب تلك البشارة ؟…إنه “محمد الفاتح” ابن السلطان العثماني “مراد الثاني”… 

طفولة “محمد الفاتح” .. والإعداد الجيد : 
ولد “محمد” ابن السلطان “مراد الثاني” في (27من رجب 835 ه = 30 من مارس 1432م) 

ونشأ تحت رعاية أبيه السلطان “مراد الثاني” سابع سلاطين الدولة العثمانيةالذي عمل على تعليمه وإعداده ليكون جديرًا بمنصب السلطان ، والقيام بمسئوليته ، فأتم “محمد الفاتح” حفظ القرآن ، وقرأ الحديث النبوي ، وتعلم الفقه الإسلامي . 

ودرس “محمد الفاتح” الرياضيات والفلك وفنون الحرب والقتال ، وإلى جانب ذلك تعلم اللغات العربية والفارسية واللاتينية واليونانية ، وخرج مع أبيه في معاركه وفتوحاته . 

ثم ولاه أبوه إمارة صغيرة ؛ ليتدرب على إدارة شئون الدولة تحت إشراف عدد من كبار علماء عصره ، وهو ما أثر في تكوين شخصية الأمير الصغير ، وبناء تفكيره بناءً إسلاميًّا صحيحًا . 

وقد نجح الشيخ “آق شمس الدين “- وكان واحدًا ممن قام على تربية “محمد الفاتح” وتعليمه – في بث روح الجهاد والتطلع إلى معالي الأمور في نفس الأمير الصغير، وأن يلمح له بأنه المقصود ببشارة النبي – صلى الله عليه وسلم- .. وكان لهذا الإيحاء دور كبير في حياة “محمد الفاتح” فنشأ محبًّا للجهاد ، عالي الهمة والطموح ، واسع الثقافة ، وعلى معرفة هائلة بفنون الحرب والقتال . 

· توليه الحكم .. والعمل على تحقيق البشارة : 

وبعد وفاة أبيه السلطان “مراد الثاني” في (5 من المحرم 852 ه = 7 من فبراير 145 م) تولى “محمد الفاتح” عرش الدولة العثمانية ، وكان شابًّا فتيًّا في العشرين من عمره ، ممتلأ حماسًا وطموحًا ، يفكر في فتح مدينة “القسطنطينية” عاصمة الدولة البيزنطية .. وسيطر هذا الحلم على مشاعر “محمد الفاتح” ، فأصبح لا يتحدث إلا في أمر الفتح ، ولا يأذن لأحد ممن يجلس معه أن يتحدث في موضوع غير هذا الموضوع . 

وكانت الخطوة الأولى في تحقيق هذا الحلم هو السيطرة على مضيق “البسفور” حتى يمنع “القسطنطينية” من وصول أية مساعدات لها من أوروبا ، فبنى قلعة كبيرة على الشاطئ الأوروبي من مضيق “البسفور” ، واشترك هو بنفسه مع كبار رجال الدولة في أعمال البناء ، ولم تمض ثلاثة أشهر حتى تم بناء القلعة التي عرفت بقلعة “الروم” ، وفى مواجهتها على الضفة الأخرى من “البسفور” كانت تقف قلعة “الأناضول” ، ولم يعد ممكنًا لأي سفينة أن تمر دون إذن من القوات العثمانية . 

وفى أثناء ذلك نجح مهندس نابغة أن يصنع للسلطان “محمد الفاتح” عددًا من المدافع ، من بينها مدفع ضخم عملاق لم يُرَ مثله من قبل ، كان يزن (700) طن، وتزن القذيفة الواحدة (1500) كيلو جرام، وتسمع طلقاته من مسافات بعيدة ، ويجره مائة ثور يساعدها مائة من الرجال الأشداء وأطلق على هذا المدفع العملاق اسم المدفع السلطاني . 

· فتح “القسطنطينية” .. وتحقق البشارة : 

وبعد أن أتم السلطان “محمد” استعداداته زحف بجيشه البالغ (265) ألف مقاتل من المشاة الفرسان ومعهم المدافع الضخمة حتى فرض حصاره حول “القسطنطينية” ، وبدأت المدافع العثمانية تطلق قذائفها على أسوار المدينة الحصينة دون انقطاع ليلاً أو نهارًا ، وكان السلطان يفاجئ عدوه من وقت لآخر بخطة جديدة في فنون القتال حتى تحطمت أعصاب المدافعين عن المدينة وانهارت قواهم . 

وفى فجر يوم الثلاثاء الموافق (20من جمادى الأولى 827 ه = 29 من مايو 1453 م) نجحت القوات العثمانية في اقتحام الأسوار ، وزحزحة المدافعين عنها بعد أن عجزوا عن الثبات ، واضطروا للهرب والفرار ، وفوجئ أهالي “القسطنطينية” بأعلام العثمانيين ترفرف على الأسوار ، وبالجنود تتدفق إلى داخل المدينة كالسيل المتدفق . 

وبعد أن أتمت القوت العثمانية فتح المدينة دخل السلطان “محمد”- الذي أطلق عليه من هذه اللحظة “محمد الفاتح” – على ظهر جواده في موكب عظيم وخلفه وزراؤه وقادة جيشه وسط هتافات الجنود التي تملأ المكان : 

“ما شاء الله ، ما شاء الله ، يحيا سلطاننا ، يحيا سلطاننا ” 

ومضى موكب السلطان حتى بلغ كنيسة “آيا صوفيا” حيث تجمع أهالي المدينة ، وما إن علموا بوصول السلطان “محمد الفاتح” حتى خرُّوا ساجدين وراكعين ، ترتفع أصواتهم بالبكاء والصراخ لا يعرفون مصيرهم وماذا سيفعل معهم السلطان “محمد الفاتح” . 

ولما وصل السلطان نزل عن فرسه ، وصلى ركعتين شكراً لله على توفيقه له بالفتح ، ثم توجه إلى أهالي المدينة ، وكانوا لا يزالون على هيئتهم وقال لهم : 

قفوا … استقيموا .. فأنا السلطان “محمد” أقول لكم ولجميع إخوانكم ولكل الموجودين إنكم منذ اليوم في أمان على حياتكم وحرياتكم .. . 

ثم أمر السلطان “محمد الفاتح” بتحويل الكنيسة إلى مسجد ، وأذن فيه بالصلاة لأول مرة ، ولا يزال يعرف حتى الآن بجامع “آيا صوفيا” ، وقرر اتخاذ “القسطنطينية” عاصمة لدولته ، وأطلق عليها اسم “إسلام بول” آي دار الإسلام ، ثم حرفت بعد ذلك واشتهرت بإستانبول . 

وسلك السلطان مع أهالي المدينة سلوكًا به رحمة وتسامح يتسم مع ما يأمرنا به الإسلام ، فأمر جنوده بحسن معاملة الأسرى والرفق بهم ، وقام بنفسه بفداء عدد كبير من الأسرى من ماله الخاص ، وسمح بعودة الذين غادروا المدينة في أثناء الحصار إلى منازلهم . 

· ما بعد فتح “القسطنطينية” : 

حقق “محمد الفاتح” هذا الإنجاز الكبير وهو في الثالثة والعشرين من عمره ، وكان هذا دليلاً على نبوغه العسكري المبكر ، واستحق بذلك بشارة النبي – صلى الله عليه وسلم- لمن يفتح هذه المدينة العريقة . 

وبعد هذا اتجه “محمد الفاتح” إلى استكمال فتوحاته في بلاد “البلقان” ، فتمكن من فتح بلاد “الصرب” و”المورة” و”رومانيا” و”ألبانيا” وبلاد “البوسنة والهرسك” ، ثم تطلعت أنظاره إلى أن يكون إمبراطورًا على “روما” وأن يجمع فخارًا جديدًا إلى جانب فتحه “القسطنطينية” . 

ولكي يحقق هذا الأمل الكبير كان عليه أن يفتح “إيطاليا” ، فاستعد لذلك وجهز أسطولاً عظيمًا ، ونجح في إنزال قواته وأعداد كبيرة من مدافعه بالقرب من مدينة “أوترانت” الإيطالية ، وتمكن من الاستيلاء على قلعتها ، وذلك في (جمادى الأولى 885 ه = يوليو 1480م) . 

وعزم “محمد الفاتح” على أن يتخذ من مدينة “أوترانت” قاعدة يزحف منها شمالاً حتى يصل إلى “روما” ، وفزع العالم الأوروبي من هذه المحاولة ، وانتظر سقوط مدينة “روما” العريقة في يد “الفاتح” ، لكن الموت هاجمه فجأة وهو يستعد لتحقيق هذا الحلم في (4 من ربيع الأول 886 ه = 3 من مايو 1481م) ، وابتهجت أوروبا كلها بعد سماعها نبأ الوفاة ، وأمر بابا “روما” أن تقام صلاة الشكر في الكنائس ابتهاجًا بهذا النبأ . 

· “محمد الفاتح” .. رجل دولة وراعى حضارة : 

اتسعت رقعة الدولة العثمانية في عهد “الفاتح” اتساعًا كبيرًا لم تشهده من قبل بفضل قيادته الحكيمة وسياسته الرشيدة .. ولم يكن ذلك كل إنجازات الفاتح ، فقد استطاع بمساعدة بعض رجاله الأوفياء من وضع دستور للدولة مستمد من كتاب الله تعالى ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، والتزمت به الدولة العثمانية ما يقرب من أربعة قرون . 

واستطاع على الرغم من انشغاله من إنشاء أكثر من (300) مسجد ، منها في العاصمة “إستانبول” وحدها (192) مسجدًا وجامعًا ، بالإضافة إلى (57) مدرسة ، ومن أشهر آثاره المعمارية مسجد “السلطان محمد” ، وجامع “أبى أيوب الأنصاري”، وقصر “سراي طوب قبو”. 

واشتهر “محمد الفاتح” بأنه كان محبًّا للأدب ، وكان شاعرًا مجيدًا يحب القراءة ويداوم عليها ، ويصاحب العلماء والشعراء ، ويولى بعضهم مناصب الوزارة ، وكان إذا سمع بعالم كبير في فن من الفنون قدم له العون والمساعدة ، أو يطلب منه أن يأتى إلى “إستانبول” للاستفادة من علمه . 

· شخصية “محمد الفاتح” : 

كان “محمد الفاتح” مسلمًا ملتزمًا بأحكام الشريعة الإسلامية ، ورجلاً صالحًا بفضل نشأته التي أثرت فيه تأثيرًا عظيمًا ، أما سلوكه العسكري فكان سلوكًا متحضرًا لم تشهده أوروبا في عصورها الوسطى . 

وقد حقق “الفاتح” أعظم إنجازاته بفتح مدينة “القسطنطينية” العريقة بفضل طموحه القوى الذي زرعه فيه أساتذته ، والإيحاء له بأنه البطل الذي ستفتح على يديه ” القسطنطينية” . 

وسعى “الفاتح ” إلى تحقيق أحلامه بالسعي الجاد والعمل المستمر والتخطيط المنظم، فقبل أن يحاصر “القسطنطينية” استعد لذلك بصب المدافع وإنشاء الأساطيل والاستفادة من كل الإمكانيات التي تساعده في النصر . 

بالطموح العالي ، والعزيمة والإصرار ، والسعى إلى الهدف ، نجح “الفاتح” في جعل الحلم حقيقة ، والأمنية واقعًا ، وأن يكون واحدًا من أبطال الإسلام والفاتحين الكبار .